وهبة الزحيلي
43
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
العظيمة ، الذي أحكم كل شيء ، وأودع فيه من الحكمة ما أودع . إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ هذا علة النفخ في الصور والبعث للحساب والجزاء ، أي إن اللّه تعالى عليم بما يفعل عباده من خير وشر ، وسيجازيهم عليه أتم الجزاء . ثم بيّن اللّه تعالى حال المكلفين السعداء والأشقياء بعد قيام القيامة فقال : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ أي من جاء مؤمنا باللّه وحده لا شريك له ، عاملا الصالحات ، فله على ذلك الثواب الجزيل عند ربه في جنات النعيم ، يأمن من الفزع الأكبر ، وهو الخوف من عذاب القيامة ، كما قال تعالى : لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ [ الأنبياء 21 / 103 ] وقال سبحانه : أَ فَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ [ فصلت 41 / 40 ] وقال عز وجل : وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ [ سبأ 34 / 37 ] . والحسنة : الإيمان والعمل الصالح ، وقال ابن عباس والنخعي وقتادة : هي لا إله إلا اللّه . و خَيْرٌ هنا ليس أفعل تفضيل ، فليس شيء خيرا من لا إله إلا اللّه ، كما قال عكرمة ، وإنما المراد مضاعفة الثواب ودوامه ؛ لأن العمل ينقضي ، والثواب يدوم ، فالخير : الثواب ، وقيل : للتفضيل ، أي ثواب اللّه خير من عمل العبد وقوله . و مَنْ لابتداء الغاية أي له خير من الخيور ، مبدؤه ونشوؤه منها أي من جهة هذه الحسنة . وقد رتب اللّه على مجيء المكلف بالحسنة شيئين : الثواب والأمن من العذاب . وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ ، هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي ومن أشرك باللّه وارتكب المعاصي ، ومن لقي اللّه مسيئا لا حسنة له ، أو قد رجحت سيئاته على حسناته ، كل بحسبه ، فيلقى في النار ، ويقال لهم أي للكفار والعصاة : هل هذا إلا جزاء عملكم في الدنيا من شرك ومعصية ؟